أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني السعودية، الاثنين 12 أكتوبر 2026، وفاة مقيم باكستاني وإصابة 11 شخصًا، إثر اعتداء استهدف مطار الملك خالد الدولي في العاصمة الرياض عصر الأحد، في أحدث تطورات التصعيد العسكري الذي تشهده المملكة على خلفية المواجهة المتجددة مع جماعة الحوثيين في اليمن.
وقالت الهيئة، في بيان إلحاقي، إن المصابين نُقلوا فورًا إلى المستشفى لتلقي الرعاية الصحية اللازمة، مشيرة إلى أن الاعتداء أسفر أيضًا عن أضرار مادية لا تزال الجهات المختصة تعمل على حصرها.
وأضافت الهيئة أنها قررت تمديد تعليق العمليات التشغيلية في مطار الملك خالد الدولي، لاستكمال الإجراءات اللازمة للتحقق من سلامة مرافق المطار وجاهزيتها التشغيلية، بالتنسيق مع الجهات المعنية، من دون تحديد موعد لاستئناف الرحلات.
ولم يحدد البيان طبيعة الاعتداء الأخير أو الجهة المسؤولة عنه، فيما جاءت التطورات بعد هجمات متتالية استهدفت مطارات ومنشآت حيوية في السعودية خلال الأيام الماضية، وأعلنت جماعة الحوثيين مسؤوليتها عن عدد منها.
وكانت الهيئة قد أعلنت، الأحد، مقتل 12 شخصًا وإصابة 309 آخرين في هجوم استهدف المطار عصر السبت 10 أكتوبر، موضحة أن القتلى شملوا أربعة مواطنين سعوديين وثمانية مقيمين من جنسيات مختلفة، بينهم أمريكي، قبل أن تعلن سفارة الهند في الرياض وفاة أحد مواطنيها متأثرًا بإصابته، لترتفع حصيلة قتلى هجوم السبت، وفق التحديث الهندي، إلى 13 شخصًا.
وأشارت تقارير أخرى إلى ارتفاع إجمالي القتلى في الهجمات التي استهدفت المطار خلال يومي السبت والأحد إلى 14 شخصًا، مع تسجيل وفاة جديدة يوم الأحد، في حين أظهرت البيانات الرسمية استمرار سقوط المصابين وتضرر مرافق المطار.
وتعكس الأرقام المعلنة في البيانات والتقارير المتعاقبة اختلافًا في توقيت تحديث الحصائل وطريقة احتساب ضحايا الهجمات المنفصلة، إذ أعلنت السلطات حصيلة هجوم السبت على حدة، ثم أعلنت وفاة مقيم وإصابة 11 شخصًا في اعتداء الأحد.
وكانت الهيئة العامة للطيران المدني قد أعلنت مساء السبت تعليق العمليات التشغيلية في المطار، بينما قال المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن، اللواء الركن تركي المالكي، إن جماعة الحوثيين نفذت هجوم السبت على إحدى صالات المسافرين، واصفًا الاعتداء بأنه «يرتقي إلى جريمة حرب مكتملة الأركان».
وأوضح المالكي، في تصريحات سابقة، أن مقذوفًا أصاب صالة المسافرين رقم 4 في مطار الملك خالد الدولي، فيما اعترضت الدفاعات الجوية صاروخ كروز آخر في محيط المطار، كما أعلن اعتراض وتدمير صاروخ باليستي كان يستهدف مدينة خميس مشيط، واعتراض طائرة مسيّرة في المنطقة الشرقية.
والاثنين، أعلن تحالف دعم الشرعية في اليمن رصد وتتبع تهديد بطائرات مسيّرة وصواريخ كروز باتجاه السعودية، مؤكدًا أن التعامل مع التهديد جارٍ، كما أعلن في تطور منفصل تدمير صاروخ باليستي أطلقته جماعة الحوثيين باتجاه خميس مشيط، جنوب المملكة.
وتزامن التصعيد مع إعلان جماعة الحوثيين، السبت، مهاجمة أهداف داخل السعودية وصفتها بأنها «حساسة»، باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، بما شمل العاصمة الرياض وشركة أرامكو النفطية في ينبع، وفق ما أعلنته الجماعة.
ووفق رصد لوكالة الأناضول استنادًا إلى بيانات رسمية سعودية، تعرض مطار الملك خالد الدولي لخمس هجمات بين الأربعاء والأحد، فيما أفادت تقارير أخرى بأنه منذ 5 أكتوبر الجاري تعرضت خمسة مطارات سعودية لعشر هجمات، أسفرت عن مقتل 19 شخصًا وإصابة مئات، فضلًا عن أضرار مادية واضطرابات في حركة الطيران.
وسبق أن أعلنت السلطات السعودية سقوط ثلاثة قتلى في هجومين استهدفا مطار الملك خالد الدولي يوم الخميس 8 أكتوبر، بينما أشارت تقارير أخرى إلى مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 36 آخرين في هجومين استهدفا مطاري أبها والملك خالد يومي 6 و7 أكتوبر.
كما تحدثت تقارير عن سقوط ثلاثة قتلى جراء اعتداءين استهدفا مرافق مطار الملك خالد وطائرة تابعة للخطوط الجوية السعودية يوم 9 أكتوبر، وسط استمرار تبادل الاتهامات بشأن الهجمات ومسؤولية تنفيذها.
وفي سياق التطورات الميدانية، أظهرت صور متداولة نُسبت إلى أقمار صناعية وجود ثقب محتمل في سقف الصالة الثالثة بمطار الملك خالد الدولي، وفق موقع متخصص في رصد الأرض عبر الأقمار الصناعية، قال إن الصور جاءت عقب تقارير عن هجوم صاروخي حوثي، من دون أن يشكل ذلك وحده تأكيدًا مستقلًا لطبيعة الضرر أو سببه.
وفي أعقاب الهجمات، دعت إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية شركات الطيران إلى توخي الحذر عند السفر إلى السعودية أو عبور أجوائها، بسبب مخاطر مرتبطة بالنشاط العسكري والتدخل في أنظمة الملاحة.
وحذرت الإدارة من أن التهديدات المحتملة يمكن أن تطال الطائرات على مختلف الارتفاعات، بما يشمل التحليق فوق الأجواء السعودية ومراحل الوصول والمغادرة، ووصفت الوضع بأنه قد يكون خطيرًا، فيما يسري الإشعار حتى 10 ديسمبر، ويشمل أيضًا مشغلي الطائرات المسجلة في الولايات المتحدة.
وجددت البعثة الأمريكية في السعودية، الاثنين 12 أكتوبر، تنبيهًا أمنيًا عقب الهجمات التي استهدفت مطار الملك خالد الدولي بالرياض ومطار الملك فهد الدولي بالدمام، مؤكدة استمرار اشتراط الحصول على تصريح خاص لموظفي الحكومة الأمريكية لاستخدام مطارات الرياض وجدة والدمام.
ودعت البعثة المواطنين الأمريكيين إلى توخي الحذر الشديد عند استخدام المطارات الرئيسية في المملكة، والاستعداد لاحتمال إلغاء الرحلات أو إغلاق المجال الجوي أو حدوث اضطرابات في السفر، مع ضرورة التحقق من حالة الرحلات مباشرة لدى شركات الطيران والمطارات.
واقترحت البعثة استخدام وسائل النقل البرية بدائل للسفر الجوي، ومنها السيارات الخاصة والقطارات التابعة للخطوط الحديدية السعودية والحافلات التي تشغلها شركتا «سات» و«سابتكو».
وجددت السفارة التذكير بقيود السفر المفروضة على موظفي الحكومة الأمريكية، والتي تمنعهم من السفر ضمن نطاق 20 ميلًا من الحدود اليمنية، وتلزمهم بالحصول على تصاريح خاصة للسفر إلى محافظات جيزان وعسير ونجران، ومدينتي القطيف وينبع، والطائف، مع تأكيد استمرار تقديم الخدمات القنصلية العادية والطارئة.
وفي إجراء منفصل، أوصت وزارة الخارجية البريطانية مواطنيها بتجنب السفر، إلا للضرورة القصوى، إلى مدينتي جدة والدمام وإلى المطارات السعودية، باستثناء مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي في المدينة المنورة، الذي ظل مصنفًا ضمن الفئة الخضراء وفق بيان السفارة البريطانية في الرياض.
ودعت الوزارة الراغبين في مغادرة السعودية إلى مراجعة إرشادات السفر المتعلقة بالمسارات البرية البديلة، كما أوصت مواطنيها بمواصلة تجنب مطار الملك خالد الدولي إلى حين تأمينه، عقب الحادث الذي وقع في 10 أكتوبر.
وأثرت اضطرابات الطيران في حركة المسافرين العائدين إلى السعودية، إذ أظهرت بيانات شركة «سيريوم» المتخصصة في تحليلات الطيران إلغاء 99.7% من الرحلات التي كانت مقررة في مطار الملك خالد الدولي الأحد، مع توقع إلغاء نحو 60% من رحلات الاثنين، عقب الهجمات وتعليق العمليات التشغيلية.
وفي محاولة لمعالجة أوضاع المواطنين العالقين خارج المملكة بسبب إلغاء الرحلات، أعلنت السفارات السعودية في البحرين والأردن والإمارات وقطر والكويت تسيير حافلات برية لنقل السعوديين الراغبين في العودة إلى الرياض، شريطة امتلاكهم حجوزات سفر جوية ملغاة.
وحددت السفارة السعودية في الأردن التجمع في مبنى السفارة، لدى قسم شؤون السعوديين، الثلاثاء 12 أكتوبر عند الساعة 11:30 صباحًا، على أن تنطلق الحافلات عند الساعة الواحدة ظهرًا، ودعت المتضررين من إلغاء حجوزاتهم إلى التواصل مع القسم للحصول على التعليمات اللازمة.
وفي البحرين، أعلنت السفارة السعودية توفير حافلة نقل جماعي للمواطنين الذين ألغيت رحلاتهم الجوية، وحددت موعد التجمع في مقرها بالمنطقة الدبلوماسية عند الساعة 11:30 صباحًا، على أن تغادر الحافلة إلى الرياض في الواحدة ظهرًا.
وأعلنت القنصلية العامة السعودية في دبي والإمارات الشمالية توفير حافلات لنقل المواطنين الذين تعذرت عودتهم بسبب إلغاء الرحلات، بالتزامن مع تداول تقارير عن مبادرات تضامن من مواطنين إماراتيين عرضوا استقبال السعوديين العالقين في منازلهم.
وفي قطر، أتاحت السفارة السعودية حافلات للراغبين في العودة إلى الرياض، ودعت المعنيين إلى التواصل مع جوال شؤون السعوديين لاستكمال ترتيبات السفر، مع اشتراط وجود حجز ملغى.
أما في الكويت، فأعلنت السفارة السعودية توفير حافلات لنقل المواطنين إلى الرياض، وحددت يوم الاثنين موعدًا للتجمع والانطلاق، في إطار الإجراءات الرامية إلى مساعدة المتضررين من تعليق الرحلات الجوية.
وعلى الصعيد العسكري، أعلن الجيش اليمني تنفيذ سلسلة غارات جوية على مواقع لجماعة الحوثيين في محافظة تعز جنوب غربي البلاد.
وقال محور تعز العسكري، التابع للجيش، في بيان، إن الطيران الحربي استهدف مواقع للجماعة في منطقتي العرسوم والمرازيقان وشارع الستين شمالي تعز، إلى جانب جبل المنعم وتبة الخلوة غربي المدينة، ومعسكر الأمن المركزي شرقيها.
ولم يحدد البيان نتائج الغارات، كما لم يصدر تعليق من الحوثيين بشأنها حتى الساعة 07:20 بتوقيت غرينتش.
وتتزامن هذه العمليات مع استمرار عملية «فجر اليمن» العسكرية لليوم الثامن، وفق التقارير الواردة، وهي العملية التي قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي إنها تستهدف استعادة مؤسسات الدولة والسيطرة على العاصمة صنعاء والمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
وكانت القوات الحكومية اليمنية قد أطلقت العملية في 5 أكتوبر الجاري، بدعم وإسناد جوي من التحالف بقيادة السعودية، في إطار تصعيد عسكري بدأ خلال يوليو الماضي، ووُصف بأنه الأوسع منذ الهدوء النسبي الذي أعقب الهدنة التي بدأت في أبريل 2022.
وفي المقابل، ادعت جماعة الحوثيين، الاثنين، أن طائرات حربية وصفتها بأنها سعودية شنت غارات على مواقع في محافظات صنعاء وصعدة وتعز.
ونقلت وكالة الأنباء «سبأ» التابعة للجماعة عن مصادر محلية لم تسمها أن الغارات استهدفت مديرية الثورة في العاصمة صنعاء ومديرية همدان في محافظة صنعاء شمال البلاد.
وأضافت الوكالة، في تقرير منفصل، أن قصفًا صاروخيًا قالت إنه سعودي استهدف مديرية الظاهر الحدودية في محافظة صعدة، كما نقلت عن مصدر محلي غير مسمى أن غارتين استهدفتا طريق الزربي في مديرية حيفان جنوب محافظة تعز.
ولم تتطرق الوكالة إلى نتائج تلك الغارات، كما لم يصدر تعليق سعودي على هذه الادعاءات حتى وقت نشر التقارير، وهو ما يترك مسؤولية تنفيذها ونتائجها ضمن الرواية التي نقلتها وسائل الإعلام التابعة للحوثيين.
وفي تعز، أطلق المحافظ نبيل شمسان نداءً وطنيًا وإنسانيًا عاجلًا، دعا فيه إلى تحرك محلي ودولي لمواجهة التصعيد الحوثي وتداعياته الإنسانية، وكسر الحصار المفروض على المحافظة منذ 12 عامًا، وتأمين الاحتياجات الأساسية لملايين السكان، في ظل نقص الغذاء والدواء والوقود.
وطالب شمسان قيادة الدولة والحكومة باتخاذ تدابير استثنائية لإسناد المحافظة وتوفير احتياجاتها الضرورية، ودعم المستشفيات والمرافق الحيوية، كما دعا السلطات المحلية في المحافظات الأخرى ورجال الأعمال ومنظمات المجتمع المدني إلى إطلاق حملة تضامن وطنية وتسيير قوافل إغاثية عاجلة.
وناشد المحافظ السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي والأمم المتحدة ومجلس الأمن والمنظمات الإنسانية والحقوقية الدولية التحرك لوقف الاعتداءات على المدنيين ورفع الحصار وفتح ممرات إنسانية آمنة، وضمان وصول المساعدات ونقل الحالات الطبية الحرجة.
وأكد شمسان تمسك أبناء تعز بحقهم في الحياة والأمن والحرية والكرامة، داعيًا إلى تنظيم مسيرات سلمية للتعبير عن وحدة أبناء المحافظة وحشد الجهود لإنهاء معاناتهم.
وعلى المستوى الإقليمي، أدانت مصر والسعودية وباكستان وتركيا الهجمات التي تشنها جماعة الحوثيين على المملكة، بما فيها استهداف مطار الملك خالد الدولي، وأكدت الدول الأربع تضامنها مع الرياض ومطالبتها بوقف الهجمات فورًا.
وقالت الدول، في بيان مشترك، إن الهجمات أوقعت قتلى ومصابين من المدنيين وألحقت أضرارًا بالبنية التحتية والمنشآت المدنية، معتبرة أنها تمثل انتهاكًا للقانون الدولي وتهديدًا لأمن السعودية واستقرارها.
وشدد البيان على أن الاعتداءات تمثل انتهاكًا لسيادة المملكة ووحدة أراضيها وتصعيدًا خطيرًا لا يمكن تبريره، مؤكدًا أن أمن السعودية وسلامة المواطنين والمقيمين فيها أولوية.
وجددت الدول الأربع دعمها للتدابير التي تتخذها الرياض لمواجهة الهجمات وردع مصادر التهديد ومنع تكرارها، بما يتوافق مع ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، وحملت جماعة الحوثيين المسؤولية عن الهجمات وتداعياتها على الأمن والاستقرار الإقليميين والدوليين، مطالبة بوقفها الفوري وغير المشروط.
كما أكدت جامعة الدول العربية تضامنها الكامل مع السعودية، وحذر الأمين العام للجامعة نبيل فهمي من تداعيات استمرار الهجمات الحوثية على أمن المنطقة واستقرارها.
وقال فهمي إن الهجمات وما تسفر عنه من قتلى ومصابين من جنسيات مختلفة تمثل تصعيدًا خطيرًا وانتهاكًا واضحًا للمبادئ والقواعد التي يقوم عليها القانون الدولي، داعيًا إلى وضع حد للاعتداءات التي تعرض حياة المدنيين للخطر.
وحذر من أن تكرار الهجمات يعكس استمرار نهج التصعيد، ويزيد مخاطر اتساع دائرة المواجهة، داعيًا المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات حازمة لوقفها ومحاسبة المسؤولين عنها، ومؤكدًا أن الإدانة وحدها لا تكفي لمنع تكرار الاعتداءات وحماية المدنيين والمنشآت المدنية.
وشدد فهمي على أن أمن السعودية جزء لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي العربي، وأن الاعتداء على أي دولة عربية تتجاوز تداعياته حدودها إلى الأمن الجماعي للمنطقة.
وفي الإمارات، قال أنور قرقاش، مستشار رئيس الدولة، إن استهداف السعودية يقوض أمن الخليج، مؤكدًا أن دول المنطقة جميعها معنية بالتهديدات الراهنة.
وكتب قرقاش عبر منصة «إكس» أن «العدوان على دول الخليج العربي انطلق من تقدير خاطئ من المعتدي باعتبارها الحلقة الأضعف في حرب سعت المنطقة إلى تجنبها»، داعيًا إلى إحياء العمل الأمني والدفاعي المشترك لمعالجة ما وصفه بالتقصير الفادح وردع من يتطاول على دول المنطقة.
وشدد قرقاش على أن أمن الخليج مسؤولية مشتركة لا تحتمل التهاون أو التأجيل، وأن أمن المنطقة لا يتجزأ.
من جهته، حذر المندوب الدائم للسعودية لدى الأمم المتحدة، عبد العزيز الواصل، في 9 أكتوبر، من أن تداعيات تهديدات الحوثيين لا تقتصر على اليمن أو المنطقة، معتبرًا أن استمرار التصعيد سيطيل أمد الأزمة اليمنية، وأن استهداف المملكة يمس أمن المنطقة بأكملها.
وفي ملف العلاقات الإقليمية، دعت وزيرة الخارجية اليمنية إلى موقف إسلامي موحد وحازم تجاه ما وصفته بهجمات الحوثيين على المنشآت المدنية، فيما أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي استعداد بلاده للمساعدة في بدء محادثات بين السعودية واليمن، في إشارة إلى جماعة أنصار الله الحوثية.
وترافقت التطورات مع تقارير عن تراجع مستوى الدعم الدفاعي الذي تحصل عليه الرياض من بعض حلفائها الغربيين.
ونقلت وكالة بلومبرغ عن مصادر مطلعة أن السعودية تشعر بخيبة أمل إزاء محدودية المساعدة التي يقدمها حلفاؤها الغربيون مع تجدد المواجهات في اليمن.
وأفادت الوكالة بأن بريطانيا زودت السعودية بطائرة للتزود بالوقود جوًا، فيما لم تحظ طلبات سعودية أخرى للحصول على دعم دفاعي إضافي، قُدمت خلال الأسابيع الماضية، بالموافقة حتى وقت نشر التقرير.
وكان موقع «أكسيوس» قد ذكر في تقرير سابق أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفض طلبات ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لشن ضربات على الحوثيين في اليمن.
وفي المقابل، أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو التزام واشنطن باتفاقية الدفاع المشترك مع السعودية، وقال إن الولايات المتحدة تعتزم الوفاء بجميع التزاماتها تجاه المملكة.
ونقلت شبكة «سي بي إس نيوز» عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قوله إنه يدرس ما إذا كان ينبغي للولايات المتحدة الانضمام إلى القتال ضد الحوثيين.
وفي الرياض، أكد وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان أن المملكة لا تخشى التحديات، مشددًا على ضرورة أن يكون الرد على الهجمات بالقدر نفسه من الشدة، ومواصلة العمل لضمان أمن الطاقة واستقرار الإمدادات.
وقال الوزير، خلال افتتاح مؤتمر البترول العالمي في الرياض، إن الأحداث التي شهدتها الأسابيع الأخيرة كانت شديدة، وإن رد المملكة يجب أن يكون بالقدر نفسه من الشدة، مضيفًا أن «كلمة الخوف ليست موجودة ضمن القاموس السعودي».
وأكد استمرار تنفيذ مستهدفات رؤية 2030 تحت أي ظرف، معتبرًا أن مشاركة الوفود الدولية في المؤتمر تعكس استمرار مكانة الرياض مركزًا عالميًا للطاقة، وأن العاصمة السعودية لا تزال آمنة.
وأضاف أن أمن الطاقة لا يمكن اعتباره أمرًا مضمونًا في ظل الاضطرابات العالمية، مشيرًا إلى أن المملكة استثمرت على مدى عقود في تطوير سلاسل الإمداد وتعزيز قدرتها على مواجهة الأزمات.
واستشهد الوزير بسرعة إصلاح خط أنابيب النفط «شرق ـ غرب»، واعتبر ذلك دليلًا على فاعلية الاستعدادات والإجراءات الاحترازية التي اتخذتها المملكة لضمان استمرارية الإمدادات ورفع كفاءة البنية التحتية.
وشدد الأمير عبد العزيز بن سلمان على ضرورة التوازي بين أمن الطاقة والتحول نحو مصادر وتقنيات أقل انبعاثًا، مؤكدًا أن مستقبل الطاقة المستدام يتطلب ضمان أمن الإمدادات للجميع، مع مراعاة اختلاف احتياجات الدول وظروفها الاقتصادية والتنموية.
وجدد التأكيد على التزام السعودية تجاه شركائها الدوليين، ومواصلة تطوير التقنيات التي تسهم في خفض الانبعاثات، بالتوازي مع الاستفادة من مصادر الطاقة المتاحة لدعم التنمية الاقتصادية وضمان موثوقية الإمدادات.
وقال الوزير، خلال مؤتمر الطاقة التابع لمجلس البترول العالمي، إن «التزامنا تجاه شركائنا الدوليين مستمر»، مؤكدًا أنه «لا يمكن أن يكون هناك مستقبل للطاقة للجميع ما لم يتحقق أمن الطاقة للجميع».
وأضاف أن الظروف الراهنة وضعت البنية التحتية والمؤسسات والسكان وقدرة المملكة على الصمود أمام اختبار حقيقي، كما وضعت القرارات التي اتخذتها السعودية قبل الأزمات الحالية موضع اختبار.
وأعلنت وزارة الطاقة السعودية انطلاق المؤتمر العالمي، الذي يستمر خمسة أيام، الأحد وفق البرنامج المقرر، في مركز مؤتمرات يبعد نحو 10 كيلومترات عن مطار الرياض، رغم اضطرابات الطيران والهجمات الأخيرة.
وفي الجانب الاقتصادي، سلط تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال» الضوء على الضغوط التي تواجه خطط ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لتنويع الاقتصاد، في ظل تصاعد الإنفاق الدفاعي وتراجع الاستثمارات الأجنبية وارتفاع تكاليف حماية المنشآت الحيوية.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين سعوديين أن مخزون المملكة من الصواريخ الاعتراضية يتراجع مع استمرار هجمات الحوثيين، ما يزيد الضغط على القدرات الدفاعية في وقت اتسعت فيه التهديدات لتشمل منشآت استراتيجية وقطاعات اقتصادية.
ووفق تحليل الصحيفة، تتجاوز تداعيات المواجهة الجانب الأمني إلى خطط التنويع الاقتصادي التي تستهدف تقليل الاعتماد على النفط وجذب المستثمرين والسياح، في ظل صعوبات تمويلية تواجه عددًا من المشاريع الكبرى.
وأنفقت السعودية خلال العقد الماضي مبالغ كبيرة على مشروعات تستهدف تنويع مصادر الدخل، من بينها مشروع مدينة نيوم، لكن الصحيفة أشارت إلى توقف عدد من المشاريع أو دخوله مرحلة المراجعة.
وتقدر الصحيفة القيمة الإجمالية للمشاريع التي أطلقتها القيادة السعودية بتريليونات الدولارات، في حين تبلغ الموازنة الحكومية السنوية نحو 350 مليار دولار.
وتأتي هذه الالتزامات في وقت تراجعت فيه الاستثمارات الأجنبية خلال النصف الأول من عام 2026، وظلت دون المستويات المستهدفة لعام 2030، بينما تواجه المملكة تحديات في توفير التمويل اللازم لاستضافة معرض إكسبو 2030 وكأس العالم لكرة القدم 2034.
وكانت السعودية قد تخلت في يناير عن خطط استضافة دورة الألعاب الآسيوية الشتوية لعام 2029، بحسب التقرير.
ونقلت الصحيفة أن مؤسسة «كابيتال إيكونوميكس» رصدت انخفاض حجم القطاع غير النفطي في الربع الثاني مقارنة بالربع الأول، فيما تتوقع وزارة المالية السعودية انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3.6% خلال عام 2026.
ويرى تحليل «وول ستريت جورنال» أن ارتفاع الإنفاق على الدفاع والبنية التحتية يمكن أن يقلص الموارد المتاحة لتمويل مشاريع التنويع الاقتصادي، في وقت تواجه فيه المملكة عجزًا متزايدًا في الموازنة.
وامتدت المخاطر التي تناولها التقرير إلى قطاعات تراهن عليها السعودية لتوسيع قاعدة اقتصادها، من بينها النفط والطيران والسياحة والتكنولوجيا.
ففي بداية الحرب مع إيران، واصلت المملكة تصدير النفط عبر خط أنابيب ينقل الخام من شرق البلاد إلى البحر الأحمر، متجاوزًا إغلاق مضيق هرمز، واستفادت من ارتفاع أسعار النفط.
لكن الصحيفة أفادت بأن الحوثيين أعلنوا في يوليو فرض حصار بحري على السعودية، ما هدد حركة الشحن في البحر الأحمر، قبل تعرض خط الأنابيب نفسه لهجوم في سبتمبر.
وفي قطاع الطيران، أشارت الصحيفة إلى تعرض مطار الملك خالد الدولي في الرياض للاستهداف أربع مرات على الأقل، معتبرة أن استمرار الهجمات يهدد مساعي المملكة لجذب السياح واستضافة الفعاليات الدولية.
وأضاف التقرير أن الاضطرابات الأمنية أثارت مخاوف بشأن مؤتمر استثماري بارز كان مقررًا في نهاية أكتوبر، وسط شكوك بشأن انعقاده.
كما أشار إلى أن خطط السعودية للتحول إلى مركز عالمي للذكاء الاصطناعي تواجه تحديات إضافية، في ظل المخاوف من تعرض مراكز البيانات لهجمات.
وفي سياق التفاعل الشعبي والإعلامي مع الهجمات، نشر رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس اعتذارًا عن تأخره في التعبير عن التعاطف مع ضحايا الاعتداءات التي استهدفت الرياض، عقب عتاب وجهته إليه الكاتبة والمفكرة السعودية وفاء الرشيد عبر منصة «إكس».
وكتب ساويرس: «أعتذر عن التأخير.. الله يرحم الموتى الأبرياء ومنهم المضيفة المصرية، لكم العزاء وللمعتدي الفناء.. نحن في مصر معكم قلبًا وقالبًا، ومحبتنا للشعب السعودي في قلوبنا جميعًا».
وأضاف: «مرة أخرى أعتذر وأؤكد تضامني الكامل ودعوتي إلى موقف عربي موحد يترفع عن الخلافات ويواجه العدو الإيراني بلا تأجيل ولا تخاذل.. أولها وأقلها قطع العلاقات معه وطرد سفراء إيران من بلادنا كلها».
وجاء اعتذار ساويرس بعد منشور للرشيد انتقدت فيه ما وصفته بصمته تجاه الضحايا، وكتبت: «لم ينبس ببنت شفة عن موتانا في الرياض.. وكأن دماءنا لا تستحق حتى كلمة عزاء! بئس المواقف حين تسقط الأقنعة، ويصبح الصمت عن أرواح الأبرياء شهادة على إفلاس الضمير! وأي ضمير..».
وتجمع وفاء الرشيد بين العمل الأكاديمي والقيادة الاقتصادية والنشاط المجتمعي، وهي حاصلة على شهادات عليا في العلاقات الدولية والدبلوماسية، وبرزت من خلال مقالاتها في صحيفة «عكاظ»، كما شغلت مناصب قيادية في منظمات خيرية وشركات خاصة، وعملت مستشارة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
وفي مجمل التطورات، تتقاطع الهجمات على المطارات والمنشآت الحيوية مع التصعيد العسكري في اليمن، وتضع حركة الطيران وأمن الطاقة والاستثمارات والمشاريع الاقتصادية السعودية أمام ضغوط متزامنة، فيما تتواصل التحذيرات الدولية وإجراءات السفر والإدانات الإقليمية، بالتوازي مع دعوات إلى تحرك دفاعي مشترك ووقف الهجمات.
وتعود جذور المواجهة إلى الحرب اليمنية التي اندلعت بعد سيطرة جماعة الحوثيين على العاصمة صنعاء ومحافظات عدة في سبتمبر 2014، قبل تدخل تحالف عسكري بقيادة السعودية في مارس 2015 دعمًا للحكومة اليمنية.
وشهد الصراع فترات من التهدئة، بينها هدنة بدأت في أبريل 2022 وأسهمت في خفض نسبي للتصعيد، قبل تجدد المواجهات على نطاق أوسع منذ يوليو 2026، وفق التقارير الواردة، مع استهداف مرافق للطيران المدني ومنشآت للطاقة داخل السعودية.
وتسعى المملكة، ضمن رؤية 2030، إلى تنويع اقتصادها وتقليل اعتماده على النفط من خلال الاستثمار في السياحة والطيران والتكنولوجيا والمشاريع الكبرى، بينما يضع تصاعد التوترات الأمنية والضغوط المالية هذه الأهداف أمام تحديات متزايدة، وفق التحليل المنشور في «وول ستريت جورنال».





