شهدت فرنسا، السبت، احتجاجات واسعة رفضًا لارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود والطاقة وتراجع الخدمات العامة، بمشاركة طلاب ونقابيين وموظفين في القطاع العام وأفراد من حركة «السترات الصفراء»، وسط انتشار أمني مكثف في باريس وعدد من المدن الكبرى، ومواجهات وأعمال تخريب في بعض المناطق.
وأعلنت السلطات الفرنسية توقيف 61 شخصًا حتى الساعة الحادية عشرة صباحًا، إلى جانب تفريق تجمعين غير مصرح بهما في باريس وإغلاق عدد من محطات المترو، ضمن الإجراءات الأمنية المصاحبة للتحركات الاحتجاجية.
وانطلقت المسيرة الرئيسية من ساحة الجمهورية في باريس عند الساعة الثانية بعد الظهر، بالتزامن مع دعوات لتنظيم مسيرة طلابية موازية من الساحة نفسها باتجاه ساحة الأمة عند الساعة الثالثة، للمطالبة بخفض تكاليف المعيشة ومواجهة ارتفاع الأسعار، وزيادة الأجور والمعاشات، وتحسين الخدمات العامة وظروف التعليم.
وحذّر وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز من احتمال وقوع تجاوزات خلال الاحتجاجات، متوقعًا أن تشهد البلاد تعبئة وصفها بأنها «مهمة نسبيًا».
كما حذّر رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو من احتمال تصاعد التوتر بالتزامن مع التحركات، فيما قالت الحكومة، الخميس، إن السلطات تخشى وقوع اضطرابات خلال الاحتجاجات.
وشهدت الشوارع الرئيسية في باريس إغلاقات ونصب حواجز خشبية وحديدية لحماية المحال التجارية، إلى جانب اضطرابات في حركة المرور وإغلاق عدد من الطرق، بالتزامن مع انتشار أمني واسع لمواكبة المظاهرات.
وسُجل انتشار كثيف للشرطة في وسط العاصمة، ولا سيما قرب معالم بارزة مثل جادة الشانزليزيه وقوس النصر، اللذين استُبعدا من مساري المظاهرتين الرسميتين.
وفي مارسيليا، انطلقت احتجاجات ضمن التحرك الوطني الرافض للأوضاع الاجتماعية، وشهدت مواجهات بين محتجين والشرطة بعدما ألقى مشاركون زجاجات وحجارة باتجاه عناصر الأمن، الذين ردوا باستخدام الغاز المسيل للدموع.
كما أُضرمت النيران في حاويات قمامة بالمدينة، فيما قالت وزارة الداخلية إن وقائع عنف سُجلت في عدد من المدن، شملت أعمال تخريب في مارسيليا واعتداءات استهدفت الشرطة ووسائل إعلام ومباني عامة.
وفي مدينة ليون، أضرم محتجون النار في مكتب للسياحة، السبت، وسط توتر على هامش الاحتجاجات المناهضة لغلاء المعيشة، بحسب صحيفة «لوموند».
وأظهرت مقاطع مصورة تداولتها وسائل إعلام فرنسية ومنصات التواصل الاجتماعي ألسنة اللهب تتصاعد من المبنى، مصحوبة بسحب كثيفة من الدخان بالقرب من موقع تجمع المحتجين في الساحة.
ووقعت الحادثة في ساحة مركزية، حيث رمت مجموعات من الشبان الملثمين عناصر الشرطة بمقذوفات وألعاب نارية، وردت قوات الأمن باستخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه.
وعادت حركة «السترات الصفراء» إلى الشوارع الفرنسية، السبت، ضمن الاحتجاجات على ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة، لتلتقي مطالبها مع تحركات طلابية مستمرة منذ أسابيع لتحسين ظروف التعليم.
وأغلق محتجون يرتدون السترات الصفراء شوارع في عدد من المناطق، في مشهد أعاد إلى الأذهان الاضطرابات التي شهدتها الولاية الرئاسية السابقة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
وتتركز مطالب المحتجين على الحد من ارتفاع تكاليف المعيشة والأسعار، وتحسين القدرة الشرائية، وزيادة الأجور والمعاشات، وتعزيز الخدمات العامة وتحسين ظروف التعليم.
وتشارك في التحركات فئات اجتماعية مختلفة، من طلاب ونقابيين وموظفين في القطاع العام وأفراد من حركة السترات الصفراء، وسط تصاعد الضغوط المرتبطة بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
ودعت قوى اليسار الفرنسي إلى المشاركة في الاحتجاجات، معتبرة أن توسيع نطاق التحركات الشعبية يمثل وسيلة للضغط على الحكومة للاستجابة للمطالب الاجتماعية.
وفي المقابل، اتهمت الحكومة حزب فرنسا الأبية اليساري بتأجيج الاحتجاجات، وهو ما ينفيه الحزب.
وكانت الاحتجاجات قد انطلقت الشهر الماضي في المدارس الثانوية بالضواحي الشمالية الفقيرة لباريس، على خلفية الغضب من نقص المعلمين وسوء المرافق التعليمية.
وسرعان ما اتسعت التحركات لتتجاوز مطالب التعليم، وتتحول إلى حركة احتجاجية أوسع نطاقًا تركز على عدم المساواة والإنفاق العام وتراجع مستويات المعيشة والخدمات.
وأثارت الأوضاع في المدارس الثانوية، بما تشمل من نقص في المعلمين ومشكلات في المرافق، استياءً بين الطلاب، قبل أن تتداخل مطالبهم مع المطالب الاجتماعية والاقتصادية لفئات أخرى من المجتمع الفرنسي.
ويأتي تجدد الاحتجاجات في وقت يدخل فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المرحلة الأخيرة من ولايته الرئاسية، وسط انقسام بين الناخبين ومشهد سياسي شديد التشرذم وضغوط متزايدة بشأن الاقتصاد.
وكان ماكرون قد دعا إلى التهدئة، الجمعة، قبيل الاحتجاجات الواسعة.
ولم تنجح مساعيه الطويلة لخفض الدين العام المتزايد في طمأنة المستثمرين، الذين يتخلون عن السندات الفرنسية، ما دفع تكاليف الاقتراض إلى أعلى مستوياتها في أكثر من عقدين، وفق المعلومات الواردة بشأن الأوضاع المالية في البلاد.
وتعود جذور حركة «السترات الصفراء» إلى عام 2018، عندما انطلقت احتجاجًا على الضرائب المفروضة على وقود الديزل، قبل أن تتحول إلى موجة غضب أوسع ضد ارتفاع تكاليف المعيشة وعدم المساواة في الدخل.
وظلت الأوضاع هادئة إلى حد بعيد بعد موافقة ماكرون على تخفيضات ضريبية بمليارات اليورو، قبل أن تعود الحركة إلى الشوارع بالتزامن مع تصاعد الاحتجاجات الطلابية والمطالب المتعلقة بالخدمات العامة ومستويات المعيشة.
وتعكس التحركات الحالية تداخل الضغوط الاقتصادية مع المطالب الاجتماعية والتعليمية، في وقت تواجه فيه الحكومة تحديات تتعلق بالقدرة الشرائية والإنفاق العام والخدمات، بالتزامن مع مخاوف أمنية من اتساع أعمال العنف والتخريب خلال الاحتجاجات.





