تيتيه: ليبيا لا يمكن أن تتحمل مزيداً العرقلة بالعملية السياسية

حذرت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا هانا تيتيه من تفاقم الضغوط الاقتصادية والأمنية والانقسامات السياسية في البلاد، كاشفة أن خسائر تهريب الوقود خلال الفترة من يناير إلى سبتمبر 2026 تراوحت بين 2.4 و4.4 مليار دولار، فيما دعت مجلس الأمن إلى محاسبة الأطراف التي تعرقل التقدم السياسي وتسريع الجهود الرامية إلى إجراء انتخابات وطنية وتوحيد مؤسسات الدولة.

وقالت تيتيه، في إحاطتها الدورية أمام مجلس الأمن الدولي، إن العملية السياسية التي تيسرها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا أحرزت تقدمًا خلال الأشهر الأخيرة، مشيرة إلى توقيع أطراف الاجتماع المصغر اتفاقًا في طرابلس يوم 30 أغسطس، بعد أربعة أشهر من المداولات، في خطوة وصفتها بأنها كسرت حالة الجمود السياسي والمؤسسي المستمرة منذ فترة طويلة.

وأوضحت أن الاتفاق حظي بدعم أطراف ليبية ودولية، من بينها حكومة الوفاق الوطني والجيش الوطني الليبي ومجلس النواب ونائب رئيس المجلس الرئاسي موسى الكوني، إلى جانب دعم مجلس الأمن، الذي رحب بالاتفاق في بيان صحفي صدر في 8 سبتمبر.

وينص الاتفاق على إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتسوية القضايا الخلافية العالقة في الإطار الدستوري والقانوني التي يمكن أن تؤثر على إجراء انتخابات سلمية ونزيهة وشاملة، إلى جانب وضع مسار عملي لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية تحت سلطة تنفيذية موحدة خلال 24 شهرًا.

وفي ما يتعلق بتشكيل مجلس المفوضية، قالت تيتيه إن الاتفاق استند إلى قرارات سابقة لمجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بشأن أعضاء المجلس، مع مراعاة التوازن الجغرافي عند اختيار رئيسه، بما يدعم التمثيل الواسع.

وأشارت إلى أن الاتفاق نص على إقراره من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة خلال شهر من توقيعه، مع إمكانية إبداء التحفظات ومعالجتها لاحقًا خلال مرحلة صياغة التشريعات.

وأضافت أن مجلس النواب أقر الاتفاق في 14 سبتمبر، استنادًا إلى بيان دعم سابق صدر في 31 أغسطس ووقعه 103 أعضاء، قبل أن يبلغ رئيس المجلس البعثة في 28 سبتمبر باعتماد قوانين تتعلق بإقرار الاتفاق وتعديله وتشكيل مجلس إدارة اللجنة الاستشارية الوطنية العليا.

في المقابل، رفض المجلس الأعلى للدولة الاتفاق في 5 أكتوبر، إلى جانب القوانين والقرارات التي أعلنها رئيس مجلس النواب، معتبرًا أن هذه الإجراءات تتجاوز الأطر الدستورية والقانونية والتوافقية أو تقوض الصلاحيات الممنوحة للمؤسستين.

وأشارت تيتيه إلى أن عددًا من أعضاء المجلس الأعلى للدولة أبدوا استعدادهم لمناقشة الاتفاق وطلبوا مزيدًا من الوقت للتشاور، مؤكدة أن البعثة ستواصل الحوار مع الأطراف المعنية، وستبحث خلال مشاوراتها المقبلة إمكانية اللجوء إلى آلية وطنية واسعة التمثيل وفق المادة الخامسة من الاتفاق.

وشددت على أن الاتفاق يمثل أساسًا للعمل السياسي، لكنه لا يشكل الآلية الوحيدة التي ستعتمدها البعثة لتنفيذ خارطة الطريق، موضحة أن إجراء الانتخابات يرتبط بمعالجة تحديات مؤسسية، من بينها انقسام السلطة القضائية.

ورحبت تيتيه باتفاق الأطراف المشاركة في الاجتماع المصغر على بحث خطوات عملية مع خبراء قانونيين وقضائيين ليبيين لمعالجة الانقسام القضائي، وضمان استقلال القضاء وتوفير اليقين القانوني وحماية نزاهة الانتخابات.

وفي سياق التطورات داخل مجلس النواب، أشارت إلى تصويت المجلس في 5 أكتوبر، بحضور 102 عضو، على تعديل نظامه الداخلي، بما يشمل تحديد مدة دورية للرئاسة تبلغ 12 شهرًا.

وأضافت أن المجلس أجرى في 6 أكتوبر انتخابات لاختيار رئيس جديد، بحضور 111 عضوًا، وأسفرت عن انتخاب صلاحين عبد النبي، معربة عن تطلع البعثة إلى العمل معه ومع أعضاء المجلس لدفع خارطة الطريق السياسية إلى الأمام، وموجهة الشكر إلى الرئيس السابق عقيلة صالح على قيادته ومشاركته خلال 12 عامًا في المنصب.

وعلى الصعيد الاقتصادي، حذرت تيتيه من أن الانقسام السياسي والمؤسسي يفاقم الأوضاع المعيشية، رغم ما يفترض أن توفره أسعار النفط العالمية من إيرادات كبيرة للخزانة العامة.

وقالت إن كثيرًا من الليبيين يواجهون تراجعًا في القدرة الشرائية بسبب ارتفاع أسعار الغذاء وضعف الدينار والتضخم الذي تجاوز 14%، في وقت لا يزال فيه الحصول على الخدمات العامة الأساسية غير مضمون.

وأوضحت أن أسعار المواد الغذائية ارتفعت بنسبة 3.8% خلال أغسطس، مع ضغوط أشد في غرب البلاد وجنوبها، حيث سجلت تكاليف الغذاء ارتفاعًا حادًا خلال فصل الصيف.

وسلطت المبعوثة الأممية الضوء على نظام دعم الوقود، مشيرة إلى أن الارتفاع الحاد في أسعار الوقود العالمية منذ منتصف عام 2026، ولا سيما الديزل، زاد الحوافز المرتبطة بتحويل الوقود المدعوم إلى الأسواق الخارجية عبر التهريب غير المشروع.

وبحسب الأرقام التي عرضتها، بلغ إجمالي واردات ليبيا من الوقود 8.15 مليون طن متري خلال الفترة من يناير إلى سبتمبر 2026، بتكلفة وصلت إلى 8.9 مليار دولار، فيما تُقدر الكميات المفقودة بسبب التهريب بنحو 30% إلى 50% من إجمالي الواردات، بقيمة تتراوح بين 2.4 و4.4 مليار دولار.

وأضافت أن الدولة تتحمل أعباء مالية متزايدة لتوفير الوقود المدعوم، بينما تحقق شبكات التهريب أرباحًا كبيرة من تحويل كميات منه إلى الخارج، الأمر الذي يتسبب في خسائر مالية للدولة ونقص الوقود لدى المواطنين والمؤسسات الرئيسية.

وحذرت من أن هذه الخسائر تقيد قدرة السلطات على الوفاء بالتزاماتها المالية، بما في ذلك دفع رواتب القطاع العام وصيانة البنية التحتية الحيوية وتوفير الخدمات الأساسية، مشيرة إلى استمرار نقص الوقود والكهرباء، خصوصًا في جنوب البلاد.

وفي ما يتعلق بقطاع النفط، قالت تيتيه إن الاضطرابات التي طالت البنية التحتية النفطية تعكس التكلفة الاقتصادية للانقسامات السياسية والأمنية وتأثيرها على الأصول الاستراتيجية للدولة.

وأوضحت أن حراس منشآت نفطية من الزنتان أغلقوا خط أنابيب حمادة–الزاوية خلال الفترة من 15 إلى 20 سبتمبر، ثم خط أنابيب الشرارة–الزاوية من 21 إلى 26 سبتمبر، على خلفية خلافات تتعلق، بحسب ما أوردته الإحاطة، بالتعيينات داخل المنطقة.

وأسفرت هذه الاضطرابات عن خسارة نحو مليون برميل من الإنتاج النفطي، بقيمة تقارب 100 مليون دولار، كما هددت بتعطيل صرف الرواتب وتوليد الكهرباء.

وحذرت تيتيه من أن الهجمات على البنية التحتية النفطية وقطاع الطاقة، أو أي أعمال تقوضهما، يمكن أن تشكل أساسًا لفرض تدابير بموجب قرارات مجلس الأمن ذات الصلة.

وفي مؤشر على تصاعد الضغوط الاجتماعية، قالت إن ارتفاع تكاليف المعيشة والتفاوت في أجور القطاع العام أثارا احتجاجات وإضرابات خلال سبتمبر، شارك فيها أطباء وعاملون في القطاع الصحي ومعلمون في طرابلس ومدن أخرى، احتجاجًا على عدم صرف زيادات الرواتب وظروف العمل والبدلات.

وأضافت أن المعلمين أطلقوا إضرابًا على مستوى البلاد في 27 سبتمبر، ما أخر بدء العام الدراسي لنحو 1.6 مليون طالب في المدارس الحكومية.

وأكدت أن الانتقال إلى التنفيذ الكامل لبرنامج التنمية الموحد بات أكثر إلحاحًا لتعزيز التنسيق بشأن الإنفاق العام والاستثمارات التنموية في مختلف أنحاء ليبيا.

وأعربت المبعوثة الأممية عن قلقها إزاء تقارير عن تعليق مهام عدد من رؤساء البلديات المنتخبين حديثًا من جانب نائب وزير الحكم المحلي في الحكومة المعينة من مجلس النواب، عقب اجتماعهم مع مسؤولين في طرابلس، مرحبة بالتقارير التي أفادت بإعادة بعضهم إلى مناصبهم، وداعية إلى تمكين جميع المسؤولين المنتخبين محليًا من أداء مهامهم دون تدخل.

أمنيًا، وصفت تيتيه الوضع العام في ليبيا بأنه لا يزال هشًا، لكنها رحبت بالخطوات الرامية إلى تعزيز التعاون بين المؤسسات العسكرية والأمنية في شرق البلاد وغربها، مؤكدة استمرار البعثة في تشجيع إجراءات بناء الثقة والتنسيق الفني بين الجانبين.

وأشارت إلى اجتماع رئيسي الأركان العامة، اللواء صلاح الدين النمروش واللواء خالد حفتر، في سرت يوم 12 يوليو، بوساطة بعثة الأمم المتحدة، تلاه اجتماع لقادة القوات البحرية والجوية والدفاع الجوي في الشرق والغرب يوم 9 سبتمبر، لبحث سبل التعاون العملي وإعادة توحيد هذه القطاعات.

وأضافت أن رئيسي الأركان أصدرا مؤخرًا قرارات بتفعيل مراكز مشتركة لتبادل المعلومات والتنسيق بشأن أمن الحدود في بنغازي وطرابلس، تضم عناصر من العسكريين والشرطة التابعين للجيش الوطني الليبي وحكومة الوفاق الوطني.

وتهدف هذه المراكز إلى تعزيز التواصل وتبادل المعلومات المتعلقة بالحدود والأمن بين المدينتين، فيما أوصى فريق التنسيق الفني المشترك لأمن الحدود بتنفيذ مهام ميدانية مشتركة.

كما أشادت تيتيه بجهود لجنة الترتيبات الأمنية للساحل الغربي في خفض التوترات والحد من الاشتباكات والحوادث الأمنية وتعزيز التنسيق في الزاوية ومدن أخرى في غرب ليبيا.

وفي الجنوب، دعت إلى تعزيز الوجود الحكومي وتحسين إدارة الحدود ومعالجة المظالم المحلية المتعلقة بالحصول على الخدمات، مشيرة إلى استمرار التفاوت في توفير الخدمات العامة بين شمال البلاد وجنوبها، وما يترتب عليه من زيادة السخط وعدم الاستقرار.

وفي ملف حقوق الإنسان، كشفت تيتيه أن 58 شخصًا أُعدموا في بنغازي خلال الشهرين السابقين للإحاطة، بعد إدانتهم بجرائم سابقة مرتبطة بالإرهاب، من بينها الانتماء المزعوم إلى جماعات إرهابية محظورة أو التورط في قتل عسكريين ومدنيين.

وجددت موقف بعثة الأمم المتحدة الوارد في بيان 16 سبتمبر، الداعي إلى وقف تنفيذ المزيد من عمليات الإعدام ومراجعة الإجراءات القضائية وضمان الالتزام بالمحاكمات العادلة والضمانات القانونية.

وقالت إن البعثة أجرت اتصالات مكثفة مع السلطات المعنية بشأن هذه القضية، ورحبت بقرار السلطات في شرق ليبيا تسهيل وصولها إلى ملفات قضايا عقوبة الإعدام ودعم زياراتها لمراكز الاحتجاز.

وأكدت ضرورة التزام ليبيا بقواعد حقوق الإنسان، وحماية الحق في الحياة وضمانات المحاكمة العادلة، مشيرة إلى أن العقوبات الجنائية تظل من صلاحيات الدولة، شريطة توافقها مع التزاماتها الدولية.

وفي ملف الهجرة، حذرت المبعوثة الأممية من استمرار التضليل الإعلامي وخطاب الكراهية والتحريض ضد اللاجئين والمهاجرين، بمن فيهم الموجودون في أوضاع غير نظامية، وضد العاملين في المجال الإنساني ووكالات الأمم المتحدة وموظفيها، بمن فيهم الموظفون الليبيون.

وشددت على أن معالجة المخاوف المتعلقة بالهجرة ينبغي أن تستند إلى سياسات مسؤولة وحوار بناء ومعلومات موثقة، وليس إلى التحريض أو الترهيب أو العنف.

وأكدت أن الأمم المتحدة تحترم سيادة ليبيا ولا تسهل التوطين الدائم للمهاجرين واللاجئين داخل أراضيها، مرحبة بتواصل السلطات الليبية عقب الحوادث الأمنية الأخيرة التي استهدفت مهاجرين ومرافق تابعة للأمم المتحدة.

ودعت إلى تنسيق الجهود لمواجهة المعلومات المضللة والتحريض، وضمان سلامة المهاجرين والعاملين في المجال الإنساني وموظفي الأمم المتحدة ومبانيها، ومنع تكرار أعمال الترهيب والعنف.

وأوضحت أن عدم انضمام ليبيا إلى اتفاقية اللاجئين لعام 1951 لا يعفيها من التزاماتها الدولية في مجال حقوق الإنسان، بما في ذلك الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم، واتفاقية منظمة الوحدة الأفريقية للاجئين لعام 1969.

وأضافت أن حق ليبيا السيادي في إدارة الحدود والهجرة يجب أن يُمارس بما يتوافق مع الالتزامات الدولية، بما يشمل الحماية من الاحتجاز التعسفي والتعذيب وسوء المعاملة والإعادة القسرية.

وفي ختام إحاطتها، أكدت تيتيه أن اتفاق الاجتماع المصغر والتقدم السياسي المحرز خلال الأشهر الأخيرة يمثلان خطوات مهمة، لكنها حذرت من أن رفض بعض الأطراف المشاركة البناءة، واستمرار الخطاب التحريضي والمعلومات المضللة، يهددان بتشديد المواقف السياسية وتقويض فرص التسوية، وقد يدفعان نحو إجراءات أحادية أو أعمال عنف.

ودعت إلى توسيع المشاركة في العملية السياسية ومعالجة الأولويات الضرورية لإجراء انتخابات وطنية في بيئة سلمية نسبيًا، وتوحيد مؤسسات الدولة، مؤكدة أهمية استمرار دعم مجلس الأمن والمجتمع الدولي وتوفير ضمانات للأطراف التي تتخذ خطوات نحو تجاوز الانقسامات.

كما طالبت المجلس بمحاسبة من يعرقلون التقدم، وحثت جميع الأطراف الليبية على التحرك بسرعة في ظل هشاشة الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية وتأثيرها على استقرار المنطقة.

وتأتي الإحاطة في ظل استمرار الانقسام المؤسسي والسياسي في ليبيا، وتعثر التوافق بشأن القواعد الدستورية والقانونية للانتخابات، بالتزامن مع ضغوط معيشية وخسائر مرتبطة بتهريب الوقود واضطرابات الإنتاج النفطي، فيما تواصل بعثة الأمم المتحدة الدفع نحو مسار سياسي يفضي إلى توحيد المؤسسات وإجراء انتخابات وطنية.

اقترح تصحيحاً